فرض منزلي

بدأت إجازتي الصّيفية الأولى منذ أربع سنوات، آخر إجازة صيفيّة حصلتُ عليها كانت في عام ٢٠١٧ ثم الآن هنا، ويبدو أنني لم أعتد على الأمر بعد، ولكنني أحاول.

التقيتُ مشاعل مساء ثاني أيّام العيد، بلا تخطيط مُسبق طلبتُ أن نلتقي حددنا المكان مقهانا المُعتاد، نظرتُ لساعة الهاتف وأتخيّل أنها فعلت، بعد نصف ساعة؟ أو فليكن بعد خمسين دقيقة من الآن.

كنّا نكتفي بأن نقول اسم المقهى فقط، ولكنه توسّع الآن وصار لديه فرعٌ آخر صرنا نقول: فرع التحلية. مع أنّه يركن في شارعٍ متفرّع من شارع التّحلية لكننا ننتقل من الخاص إلى العام حين نُعرّف المُعرّف.

لنا طاولة نجلس حولها كلّ مرة، حتى أننا وتحديدًا أنا أشعر بالضياع لو وصلتُ ووجدت الطاولة وقد سبقني أحدٌ عليها. أحبُّ أنها بجانب الجدار، وأن لها كراسٍ وليس أرائك، بجوارها نخلة وعلى الجدار خلفها نافذة تطلّ على مواقف السيارات الخلفيّة. أحبّ أن أطلّ على النافذة إذا جئتُ وحدي، وأعطي النافذة والعالم ظهري حين أكون مع مشاعل.

تهزأ مشاعل من القهوة السوداء، من مسمياتها وطرق إعدادها، أطلبُ كأسًا من القهوة المُقطّرة وتطلبُ هي كأس ثلج، وبينما أشرب قهوتي تقضم هي قوالب الثلج الهشّة، يصبحُ حرف الراء ثقيلًا على لسانها المتجمّد، ونضحك.

رفيقة القهوة التي خرجتُ معها قبل مشاعل كانت سلمى ابنة أخي ذات الأربعة أعوام إلّا أنّها رفيقة مقهى جميلة وحكاياتها عَذبة، وبعينيها الجميلتين تراقب الأشخاص وتصف وتتحدّث بعفوية الأطفال، تُشير بيدها لخلف الزجاج إلى رجل يملك شعرًا طويلًا قد جمعه في مطّاط: انظري عمّة، يربط شعره كالنساء. وذاك الرجل هناك تعجبني نظارته. انظري انسكبت قهوة الفتاة على الأرض وداس عليها طفل دون أن يدري.

مع سلمى يجب أن تكون الطاولة منزوية حتى لا يسمع الجميع التعليقات التي تُطلق عليهم، ومع مشاعل لا طاولة منزوية قد تحجب ضحكتها التي تجلب الأنظار دومًا فتضع يدها على فمها متأخرةً وتعيد الكرّة.

تحبّ مشاعل أن توثّق كل أحداث حياتها، الصغيرة منها قبل الكبيرة، تكتب مذكراتها منذ طفولتها وتجمع حياتها في صفحات كثيرة قد تجاوزت الألف الآن بالتأكيد. تصوّر صورة عشوائية لقهوتي وكوب الثلج الذي طلبته وتطلب مني اقتباسًا ولم يرد بذهني سوى بيت عبد الباري من قصيدته عن الأصدقاء:

“مرّوا خفافًا على ما شفّ من لُغتي .. ثمّ اطمأنوا إلى الأعماق فانغرسوا” أعجبها بالتأكيد فهو عبد الباري يعني!

فطلبتني أن أقرأ لها القصيدة كاملة، وفعلت. ولا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها قصيدة لأحد ليس لغرض الدراسة.

أكتبُ هذه التدوينة متفقةً مع مشاعل، ومتأخرةً على الموعد المُقرر؛ إذ أننا في إجازة ولا معنى لوجود توقيت محدد لتسليم المهام. كانت في أوقات سابقة تُحضر معها مُذكرة وتطلب مني أن أكتب ما يرد بذهني، ويصادف دومًا ألّا يرد بذهني شيء، أحاول وأجتهد فيخرج معي اقتباس أو كلام كنتُ قد كتبته من قبل، أما الآن فقد تطوّر الأمر وصار المعلمة مشاعل تُعطي فروضًا منزلية وتحدد مواعيد للتسليم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s